الجينات تحدد فاعلية خياراتنا اليومية في مواجهة الشيخوخة
تلعب دورها في نجاح نهج الالتزام بنمط صحي للحياة

في وقت يسعى فيه ملايين الأشخاص لإبطاء آثار التقدم في العمر، تكشف دراسة دولية حديثة أن الإجابة لا تكمن فقط في نمط الحياة الصحي، بل أيضاً في تركيبتنا الجينية. فالعلاقة بين ما نأكله وكيف نعيش ومدى احتفاظنا بصحتنا مع التقدم في العمر تبدو أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد سابقاً.
تأثير العوامل اليومية
الدراسة التي قادها أزميراو أماري من كلية الطب والصحة في جامعة أديلايد بأستراليا ونُشرت في دورية «The Journals of Gerontology» في 23 فبراير (شباط) 2026 تقدم دليلاً جديداً على أن تأثير العوامل اليومية -مثل النظام الغذائي، والنشاط البدني، والنوم، والتدخين- لا يكون متساوياً لدى الجميع، بل يختلف بحسب الاستعداد الجيني لكل فرد.
«قدرات الإنسان الجوهرية»
في سعي العلماء لفك لغز الشيخوخة ظهر مفهوم جديد يُعرف بـ«القدرة الجوهرية» Intrinsic Capacity، وهو مقياس يجمع بين القدرات الجسدية والعقلية التي يحتاجها الإنسان للحفاظ على استقلاليته، وجودة حياته. هذه القدرة تشمل الحركة، والتفكير، والتواصل، وأداء الأنشطة اليومية. وفي دراسة مكثفة اعتمدت على بيانات أكثر من 13 ألف مشارك ضمن الدراسة الكندية الطولية حول الشيخوخة (CLSA) Canadian Longitudinal Study on Aging وجد الباحثون أن الأشخاص الذين يتمتعون بمستوى أعلى من هذه القدرة يعيشون حياة أكثر نشاطاً وصحة، بينما يعاني آخرون من تراجع وظيفي أسرع مع التقدم في العمر.
نمط الحياة «لا يعمل وحده»
وأظهرت النتائج أن العوامل الصحية المعروفة -مثل ممارسة الرياضة بانتظام، واتباع نظام غذائي متوازن، والمشاركة الاجتماعية، والتعليم الجيد- ترتبط جميعها بشيخوخة أكثر صحة. في المقابل ارتبط التدخين وسوء النوم بانخفاض القدرة الجسدية والعقلية مع التقدم في العمر. لكن المفاجأة كانت أن هذه التأثيرات لا تنطبق بنفس القوة على الجميع. فالجينات تلعب دوراً كبيراً في تحديد مدى استفادة الشخص من هذه العوامل، أو تأثره بها.
البعض يمتلك «أفضلية جينية»
ووفقاً للدراسة، يمتلك بعض الأفراد «أفضلية جينية» تجعلهم أقل عرضة للتأثر السلبي بعوامل مثل قلة النوم، بينما قد يكون آخرون أكثر حساسية لهذه العوامل، مما يؤدي إلى تدهور أسرع في صحتهم.
النوم مثالاً… ليس دائماً بسيطاً
من أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة أن النوم -سواء كان قليلاً أو مفرطاً- يرتبط سلباً بالشيخوخة الصحية. لكن التأثير يختلف حسب الجينات. فالأشخاص الذين ينامون لفترات قصيرة قد لا يتأثرون بنفس الدرجة إذا كانوا يمتلكون استعداداً جينياً إيجابياً، بينما أظهر النوم الطويل نتائج أكثر سلبية لدى فئة منتصف العمر حتى من لديهم ميزة جينية. وتشير هذه النتائج إلى أن النصائح الصحية العامة قد تحتاج إلى تخصيص أكبر مستقبلاً بدلاً من تطبيقها بشكل موحد على الجميع.
التعليم والنظام الغذائي… تأثير مستمر
في المقابل برزت بعض العوامل كعناصر قوية لتعزيز الشيخوخة الصحية بغض النظر عن الخلفية الجينية. فقد أظهرت الدراسة أن اتباع نظام غذائي شبيه بنظام البحر المتوسط، إلى جانب التعليم الجيد، يرتبطان بنتائج إيجابية طويلة الأمد حتى لدى الأفراد الذين لا يملكون أفضلية جينية واضحة. وهذا يعزز فكرة أن الجينات ليست قدراً محتوماً، وأن الخيارات اليومية لا تزال تلعب دوراً حاسماً في تحديد مسار الحياة الصحية.
منتصف العمر نقطة التحول
تشير الدراسة أيضاً إلى أن تأثير الجينات يكون أكثر وضوحاً في منتصف العمر، بينما تصبح العوامل البيئية والتراكمية -مثل نمط الحياة، والعمل، والعلاقات الاجتماعية- أكثر تأثيراً مع التقدم في السن. بمعنى آخر قد تبدأ حياتنا بتأثير جيني قوي، لكن مع مرور الوقت تزداد أهمية القرارات اليومية والتجارب الحياتية في تشكيل صحتنا.
ماذا تعني هذه النتائج؟
بالنسبة للخبراء تمثل هذه الدراسة خطوة مهمة نحو فهم أعمق للعلاقة بين الطبيعة (الجينات) والتربية (نمط الحياة). وهي تفتح الباب أمام تطوير استراتيجيات صحية أكثر دقة تأخذ في الاعتبار الفروق الفردية بين الناس. كما تحمل رسالة إيجابية هي أنه رغم تأثير الجينات، فلا يزال بإمكان الأفراد تحسين فرصهم في الشيخوخة الصحية من خلال خيارات بسيطة، مثل الحركة اليومية، والتغذية المتوازنة، والنوم الجيد، والحفاظ على العلاقات الاجتماعية.
نحو طب أكثر تخصيصاً
يأمل الباحثون أن تسهم هذه النتائج في تطوير برامج وقائية وعلاجية موجهة تستند إلى فهم أعمق للتفاعل بين الجينات ونمط الحياة. فبدلاً من انتظار ظهور الأمراض يمكن التركيز على الحفاظ على القدرة الوظيفية والاستقلالية مع تقدم العمر. في النهاية يبدو أن الشيخوخة ليست مجرد رحلة بيولوجية محددة سلفاً، بل هي مسار يتشكل من تفاعل معقد بين ما نحمله في جيناتنا… وما نختاره في حياتنا اليومية.
لندن:



